الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

272

مناهل العرفان في علوم القرآن

عليهم ما أرادوا . وكادت تكون حرب لولا أن الرسول رضى بصلح بينه وبينهم وإن كان قاسيا ، إيثارا منه للمسالمة وحبا للسلام العام . ثم قفل راجعا على أن يؤدى نسكه في العام القابل نزولا على مواد هذا الصلح القاسى . وعز ذلك على أصحابه ، واتخذ المنافقون منه حطبا لنفاقهم ومادة لدسهم ولمزهم ، فقال عبد اللّه بن أبي رأسهم : واللّه ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام . ولكن على رغم هذا وعلى رغم ما هو معروف من غدر قريش ونكثهم العهود وتقطيعهم الأرحام ، نزلت الآية الكريمة تحمل هذا الوعد بل تلك الوعود الثلاثة المؤكدة ، وهي دخول مكة وأداء النسك والأمن على أنفسهم من قريش حتى يتحللوا ويقفلوا راجعين إلى المدينة . وقد أنجز اللّه وعده فتم الأمر على أكمله في العام الذي بعد عام الحديبية . وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ! . ( المثال السابع ) تنبأ الكفار بهزيمة جموع الأعداء في وقت لا مجال فيه لفكرة الحرب ، فضلا عن التقاء الجمعين وانتصار المسلمين وانهزام المشركين وذلك قوله سبحانه في سورة القمر المكية : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وأنت خبير بأن الجهاد لم يشرع إلا في السنة الثانية للهجرة . فأين ما يتنبأ به القرآن إذن ؟ إنه لا بد أن يكون كلاما تنزل ممن يعلم الغيب في السماوات والأرض . أما محمد الرجل الأمى فأنى له ذلك إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم ؟ . روى ابن أبي حاتم وابن مردويه أن عمر رضى اللّه عنه جعل يقول حين نزلت هذه الآية : أي جمع هذا ؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقولها . ( المثال الثامن ) تنبأ القرآن في مكة بهذا المستقبل الأسود الذي ينتظر كفار قريش ، ثم وقوع ذلك كما تنبأ . اقرأ قوله سبحانه : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ ؛ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ * : وسبب نزول هذه